الأحد، 3 مايو 2009

الطبيخ والتنظيف

 

من أول يوم اتجوزت فيه وأنا حاسة أني عندي مشكلة كبيرة جدا في البيت....على وجه الخصوص شغل البيت....أنا بحس انه مش دور الست أساسا بس هي ممكن تعمله تطوعاً لوجه الله...وكل الستات في مصر مسئولين عن شغل البيت حتى الستات اللي بتشتغل...لازم انا كمان أحاول ابقى ست بيت على حق، مش معقول أنا يعني دوناً عن الستات اللي هكون زوجة متمردة..

بس اكتر حاجة بتضايقني لما الراجل _ أي راجل يعني مش قصدي أنت بالتحديد _ مش بيقدر مجهود مراته او حتى والدته في البيت.

مشكلتي انا بقى كبيرة جدا ....... لا والله مش بكرة شغل البيت ولا حاجة.... أنا بس بكره "جزء" من شغل البيت، وللأسف الجزء اللي أنا بكرهه هو الجزء (الملموس) و(المحسوس) ... هو الجزء اللي كل الرجالة وأكيد أنت طبعا كمان  بتحبه... " الطبيخ" .

 ومن المعروف أن أقصر طريق إلي قلب جوزك معدته علي رأي صلاح جاهين، وأن كل الولاد والرجالة همهم علي بطنهم علي رأي ميس مديحة مدرسة التدبير المنزلي في إعدادية لما كان حد من الصبيان يدخل علينا ويخطف " بطرمان " مربى الجزر، واللا كوباية حمص الشام من اللي احنا كنا بنعملهم في أوضة التدبير.

 وفعلا كان أخويا طول عمره بياكل أكتر مني، وبابا بياكل أكتر من ماما، وعمي بياكل أكتر من مرات عمي وأكتر من عمتي برضه...

 القصد، كان طول عمري بحاول أحلل الموضوع ده، طبيعي جدا أن الراجل محتاج أكل أكتر وطاقة أكتر لأنه جسمانيا أضخم من الست، وكمان مفروض يعني أنه بيبذل جهد أكبر، لأن اللي  كبرنا عليه  أن الراجل راجل، وده الرأي اللي فضلت أنا مقتنعة بيه ...

لغاية لما في يوم كنت بتفرج علي مسلسل (بين القصرين) ولقيت الست أمينة وبناتها واقفين علي حيلهم لغاية لما أبوهم وأخواتهم الولاد يخلّصوا فطار، وبعدين يبقوا البنات ياكلوا اللي فاضل بعد كده، وساعتها حسيت أن موضوع الأكل ده مجرد عادات وتقاليد متأصلة عندنا من قديم الأزل، فالراجل كان منذ العصور الحجرية يستأثر بكل الأكل لنفسه بحجة أنه بيتعب ومحتاج يسند قلبه بلقمة تقويه علي التعب اللي بيشوفه وهو بيجري علي طلبات كوم العيال وأمهم....

وأكيد يعني لما الراجل بيرجع للكوخ بتاعه بعد يوم من المعاناة قضاه في  صيد الحيوانات، أكيد هيحس انه لازم يستأثر بالجزء الاكبر من هذا الصيد، مش هو اللي تعب وخطط وتعارك واصطاد الحيوان والدم طرطش عليه، بينما الست بتاعته قاعده متستته متهننة في الكوخ مع العيال، بتعمل ايه يعني طول النهار؟؟!!

يعني الموضوع مجرد عادة، الراجل ابتدعها منذ العصور الحجرية لأنه هو الأقوى، فهو اللي ياخد " الحتة الأكبر" ، واللي مش عاجبه يشرب من البحر، وشوفوا بقى مين اللي هيصطاد بعد كده .... وطبعا الست ساعدت الراجل علي استمرار هذه العادة خوفا من بطشه وغضبه عليها وعلى العيال، ومحاولة منها لنفاقه وإرضائه رغم أنها تظل جعانة جدا بعد ما تاكل الفتفوتة الصغيرة بتاعتها، وبعدين تفتق ذهنها أنها طالما كده كده بتاكل الفتات، فمن الأفضل لها أن تدّعي الرقة والرشاقة وأنها أصلا أكلتها طول عمرها ضعيفة، يعني تتعفف ولكن ليس عن مقدرة بل عن اضطرار....

 ومع الوقت تحولت هذه العادة المتأصلة إلي ثقافة ثابتة راسخة، ليس في المجتمعات الشرقية فحسب بل في كل المجتمعات الإنسانية جمعاء.

فنجد البنت معزومة في بيت خطيبها وسايبة المحمر والمشمر وعمّاله تاكل في شوية سلطة وتشرب عصير، ونفس الشيء عندما يدعوها خطيبها للغداء أو للعشاء في الخارج فتأكل القليل جدا وهي في قمة الخجل، وعندما يسألها خطيبها أنتي دايما أكلتك قليلة كده ليه؟  تقول له   " ده أنا أول مرة أتعشي".. وطبعا لو كانت عزومة فطار هتقول له زي ما قالت نبيلة عبيد لمحمود ياسين في فيلم أيام في الحلال "أيه ده كله..انا مش متعودة أفطرخالص"، مع ان الحكاية كلها انه كان عازمها على شوية عصير وكرواسون لا يحوق ولا يلوق... وهو يصدقها ويحمد ربنا أنه هيتجوز عصفورة رشيقة وكمان هتوفر له فلوس، وهو مش عارف أنها كانت ضاربة فول وطعمية علي غيار الريق قبل ما تنزل تفطر معاه.

لكن طبعا الراجل لا تعيبه طفاسته، أو لا يعيبه كرشه، لأنه راجل وشقيان، ولازم يبيّن أنه أكّيل، وأنه متربي على العز في بيت أمه وأبوه.

ورغم كل ده، ورغم إيماني فعلا بأن أقصر طريق لقلب الراجل معدته، إلا أن موضوع الطبيخ هذا لم ينزل لي من زور ولا من حلق أبداً، ومع ذلك تعلمته رضوخاً لرغبة أمي، لأنها لما كانت بتشوف إني بكره المطبخ جدا، كانت تقول لي كلمة الأمهات الشهيرة  " اللي هيتجوزك ده أمه هتكون داعية عليه " ، وكنت بحس إنها جملة متحيزة بل وعنصرية جدا، وكأن اللي هيتجوزني ده كل غرضه البحث عن شغالة أو طباخة، وانه عمره ما شاف أكل في حياته، وكل هدفه هو الأكل وبس، مما جعلني أكره فكرة الجواز أصلا.

 وحتى بعد جوازي، ومع إني ببقى نفسي أعملّك حاجات حلوة..         ( والحقيقة انا بعمل ساعات حاجات حلوة )، لكني ببقى زهقانة جدا من الطبيخ....بس الذنب مش ذنبي...لأن الطبيخ أساسا فيه عناصر كتيرة وتفاصيل عديدة. مثلاً لمّا آجي أعمل أكلة بامية أنت بتشوفها بسيطة جدا وبتاكلها في خمس دقايق....بينما هي محتاجة خطوات كتيرة بداية من اختيار اللحمة كويس وتخزينها كويس في الفريزر، ثم إعادة تسييحها من التلج وسلقها بحيث تكون مستويّة بس مش مهريّة.... وبعدين تنقية البامية بشرط تكون صغيرة عشان تكون " معسّلة " ، ثم تقميعها وغسلها، ثم إضافتها إلى اللحمة بس في الوقت المظبوط بحيث كله يستوي مع بعضه...خصوصا إن البامية بتستوي بسرعة جداً.. فلازم ألحقها قبل ما تتهري، ده غير عمل التسبيكة من البصل (المبشور طبعا ) والطماطم (المعصورة والمتصفيّة) ، ده غير عمل الرز بالشعرية، والسلطة... وده كلّه يستنزف الكثير من الوقت والمجهود الجسدي والعصبي و..."النَفَس" ...ده غير التخطيط لعمل هذه الوجبة.... وفي الآخر بتطلع وجبة واحدة فقط تتاكل على الغدا... وقد تكون عادية ومتواضعة جداً من وجهة نظرك.

أنا بصراحة طول عمري بحب التنظيف والتنظيم أكتر من شغل المطبخ....والكلام ده مش معناه إن التنظيف سهل...لا لا لا ....ده ممكن يكون أصعب...بس علشان أنا بحب النظافة والنظام من يومي فتلاقيني بستمتع بيه أكتر... لكن هو مش مجرد مقشة وفوطة ومنفضة – ولا مؤاخذة – جردل ميّة ....

لأ لأ لأ ...ده شغلانة هو كمان، السيراميك بيتنضف بحاجة معينة، والرخام بحاجة تانية، اما الخشب والباركيه فبحاجة تالتة خالص، ده غير شامبو السجاد، وترتيب الدواليب والأدراج، وتهوية البيت، وهش الدبان بعد تهوية البيت، ومسح الأرض، وغسل الفوط بعد مسح الأرض.....ياااه... شغلانة.....شغلانة فعلاً ما يعلم بيها إلا ربنا.

وممكن نسمّي عملية تنظيم وتنظيف البيت مسمى أكثر دقة وفخامة ويرضي غروري أنا شخصيا، وهو " صيانة البيت صيانة دورية " ، وهذه الصيانة منها ما هو (يومي) مثل التلميع والمواعين...ومنها (أسبوعي) مثل التنفيض...ومنها (نصف شهري) مثل تهوية وقلب المراتب... ومنها (شهري) مثل تلميع النجف...ومنها (سنوي) او (موسمي) يعني كل "عيد" ، زي فك الستاير وغسلها...أو كل " طلعة صيف " زي غسل البطاطين وتخزينها..

وعموما مشكلة التنظيم والتنظيف للأسف – ورغم اتقاني لهم -  إنها أعمال غير ملموسة... ولأن الرجل يحب الأشياء المادية التي يمكن أن يراها بعينه ( زي الفراخ المحمّرة ) ، أو يمسكها بيده ويحصيها عدداً (مثل خمستاشر صباع محشي كوسة )، أو يشمها بأنفه ( مثل تقلية الملوخية ) ، فهو يقدّر الشيء الذي يُصنع من لا شيء، ولكنه لا يقدّر قيمة البيت المنسّق النظيف على أساس انه " كده كده كان نضيف من الأول " ، وان الست مالهاش أي فضل في ذلك...

فحواس الرجل لللأسف لا تشعر بما هو غير ملموس، لأن الطبيخ نتيجة مادية محسوسة على عكس التنظيف...

ولذلك كان نفسي جدا تقدّر موهبتي الخفية بأية طريقة، لدرجة إني أتمنيت انك تتجوز عليّا واحدة تانية، بشرط تكون مهملة جداً في البيت ، وأشعر أن ما سيحدث سيكون قادر على أن يشفي غليلي، لأنك ستعرف وقتها معنى أن يكون البيت قذرا كالزريبة، ومعنى أن يكون البيت غير منظم...ولكن بعد تفكير شعرت أن هذا السيناريو قد لا يكون دقيقاً، لأنك ببساطة عندما تتزوج مثل هذه المرأة قد لا تشعر بقيمتي أنا، لأنها للأسف قد تكون شاطرة في المطبخ، وبالتالي ستأكل عقلك بأكلها وأنت تتخن اكتر واكتر، ويكون هذا طريقها إلى قلبك ، وبالتالي لن تلاحظ أنت إن البيت غير نظيف من أساسه، ولذلك فأنا غير مُصرّة على تحقيق هذه الأمنية، ومش مهم تحس بمجهودي في البيت، ورزقي بقى على الله.

 

ليست هناك تعليقات:

 

All Rights Reserved - © 2008 Samar Taher

جميع الحقوق محفوظة

كافة المواد المنشورة في هذا الموقع محفوظة ومحمية بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. لا يجوز نسخ هذه المواد أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأي شكل دون الحصول على إذن كتابي مسبق