عادة ما يظل الرأي الأول الذي نكونه حول شيء ما رأيا صائباً ذا وجاهة، أو على رأي الإعلان (الانطباعات الأولي تدوم)، انا بتكلم هنا عن "الفيس بوك"، والناس اتكلمت كتير أوي عنه....قالوا وسيلة للتواصل الاجتماعي..وقالوا وسيلة للفساد..وقالواوسيلة لتجسس الحكومة الأمريكية علينا من خلال معلومات احنا بنقدمها ليهم عن نفسنا على طبق من فضة.
في المرة الأولي التي تعرفت أنا فيها علي "الفيس بوك" توجست منه، كل الناس بتشوف صور بعضها وبتعرف أخبار بعضها، صحيح كل واحد حُر في انه يأذن أولا يأذن لغيره أن يراه، بمعني أن كل واحد يختار الأفراد الذين يضمهم لقائمة أصدقائه، ويرفض من لا يريدهم، لكن دي لوحدها كارثة... إفرض مثلاً إني عملت add لواحد أو واحده، والواحده دي تعرفني لكنها لا تريد أن تضمني للقائمة.... رخامة أو أي شيء... هي من حقها، لكنها قد تُحرَج وتضطر أن تضمني، لأنها لو لم توافق علي طلبي للانضمام لقائمتها (أو ضمها لقائمتي كلاهما سيان)، المهم أنها لو لم توافق فأنا بالضرورة سأعرف أنها رفضت، وقد يثير هذا الأمر(حزازيه) بيننا.... وقد لا يثير (حزازيه) إذا كنت أنا إنسانه متفهمه ومؤمنه بالحرية الفردية لكل شخص طالما لا يضرني، لكن لا شك أن الأمر سوف يثير نوع من التساؤل لدي... المهم مش مشكلة الموضوع ده، فيه موضوع تاني أهم، وهي ملحوظة أو شعور يأتي إلي عند الدخول إلي "الفيس بوك"، وهو أن "الفيس بوك" شيء ( خنيق)..، الحقيقة هو أحياناً خنيق وليس دائماً، وذلك لعدة أسباب....أولاً أن كل واحد بيكتب الوضع بتاعه أو جملة تدل علي ما يفعله هذا الشخص في الآونة الأخيرة، بمعنى آخر يكتب (آخر أخباره) في جملة موجزة ليراها الآخرون، وكل واحد له الحرية أنه يكتب أولا.. لكن بتحليل بعض الابقاق ( جمع بُق) المكتوبة نجد أن الناس أحياناً بتحشر الآخرين في شئونها الداخلية بطريقة ليس لها ما يبررها، مثلا واحد كاتب عن نفسه " سمير الششتاوي: يبدأ من جديد"، أو واحده كاتبه عن نفسها " سوينا سليم: حامل في الشهر الثالث في الطفل الثالث"، طب احنا مال أهلنا.... وحاجات تانيه كتير تعطينا نبذة عن حياه هذا الشخص و(داخلياته) ..
أو إنه مخنوق من صاحبته أو مديره في الشغل، أو بيلقح كلام علي حد من صحابه
( خصوصاً بين البنات لأنهم مشهورين أكثر بالغل)، يا جماعة عيب ما يصحش... والأفكه من كده ساعات فيه ناس بتدخل علي "الفيس بوك" بأسماء مستعارة مش أسماءها أساساً، طبعاً أكثر حاجة منتشرة هي أسماء الفنانين، يعني واحد يسمي نفسه تامر حسني ويحط صورة تامر حسني برضه وهو مش تامر حسني خالص، وواحد مسمي نفسه night sad bird آل يعني طائر الليل الحزين بس بالانجليزي وده من أكثر الأسماء التي أثارت انتباهي، وكمان في ناس حاطه صورة ( نانسي عجرم) على اساس انها صورتها وحاجات تهلك من الضحك.
برضه الموضوع ده مش مشكلة، فيه موضوع تاني... موضوع الصور....أيوه ما هو كل واحد بينشر صور له في بيته، في شغله، مع صحابه، في رحلاته، في عيد ميلاده، مع عياله، المهم أي صور وخلاص، وكل واحد بينشر صور خاصه بيه ممكن يعمل تجميع لكل شوية صور في ألبوم واحد تحت اسم معين، وعادة ما يكون الاسم باللغة الإنجليزية، خد عندك my sweet heart, dear kids, Paris 2007, one nice day
وغيرها من الألبومات، وطبعاً دي بتثير الغيرة والأحقاد والضغائن خاصة لدي النفوس الضعيفة.. أه والله.. لأن المتصفح لهذه الألبومات بيشعر أن كل واحد بيتنطط إما بعيلته أو أولاده أو شغله، هتقوللي ( أنت سوداوية وحقودة، وكل واحد يحط اللي هو عاوزه، ودي طريقة للتواصل بين الناس والتعارف في زمن بقت المواصلات زحمة والمحور واقف خالص.....)، والله أبداً أنا مش سوداويه، بس كل واحد بيقابل زملائه القدامى من المدرسة أو الجامعة، وللأسف في مجتمعنا هناك مرض اجتماعي ملخصة أن كل واحد بيستمد سعادته ـ أو تعاسته علي حسب ـ من مقارنة نفسه وما وصل إليه بأحوال الآخرين شخصياً وعملياً، والمعيار عادة بيكون المادة، يعني واحد وصل لمستوى أعلي من كل اللي حواليه يبقي هو في قمة النجاح، والعكس طبعاً صحيح، لو هو أقل من اللي حواليه مادياً ـ ومهما كان مركزه الأدبي ـ فهو فاشل فاشل فاشل.. وحتي النجاح أو المركز الأدبي، أصبح من المهم إعلانه دائماً وتأطيره (صعبة دي أوي)، يعني وضعه في إطار أو برواز ليصبح واضحاً للجميع، ولم يعد هناك مكان للتواضع أو إنكار الذات أو أهمية العمل لوجه الله وليس للفشخرة الكذابة، وده للأسف شيء إحنا كلنا بنعاني منه كنوع من الضعف الإنساني والحاجة إلي تحقيق الذات...والمشكلة ان الناس أحياناً بتفتخر بأشياء لا تدعو للفخر، بل تدعو للخجل..... من كام يوم دخلت علي جروب لكلية الإعلام، كل خريج بيكتب عن نفسه وحياته بعد التخرج والبعض يكتب ذكرياته أيام الكلية، قلت جميل فرصه الواحد يتواصل مع زملائه بعدما بعدت المسافات وتفرقت السبل وانقطعت الأخبار، لقيت واحد زميل بس أنا بصراحة لم أتذكره، كاتب عن نفسه وعن المركز اللي وصل له في عمله ( في مؤسسة إعلامية مش فاكره هي إيه)، لكنه لم يتوقف عند هذا الحد للأسف، ولكنه بدأ في السخرية من "الزملاء الشاطرين اللي كانوا بيحضروا المحاضرات فخسروا بذلك القعدة الحلوة علي سلم الكلية، لكن العزاء الوحيد لهم أنهم دلوقتى قاعدين بس مش علي السلم لأ في بيوتهم لأنهم مش لاقيين شغل، بينما زملائهم ( بتوع السلم) اشتغلوا في أفضل المؤسسات الإعلامية في مصر، ووصلوا إلي أماكن مهمة فيها!"، ولم يتوقف عند هذا الحد، بل بدأ في التطاول علي الأساتذة أيضاً بقوله " أنا فاكر الحاجة عواطف لما كانت بتتحايل علينا ندخل المحاضرة... كانت أيام..."، ولا أعرف بالضبط ما أصابني بعد قراءة تعليقات هذا الزميل لأن الحزن تملكني بشدة من كلامه، وشعرت فعلاً أننا في مجتمع، العلم لا يكيل فيه بالبتنجان، علي رأي عادل إمام.
وأصابني اشمئزاز حقيقي من طريقة التفكير التي تسخر من العلم، وحب التعلم، بل و تسخر أيضاً من الأساتذة الذين تلقينا العلم علي أيديهم.
أثارني كلام الزميل، خاصة شماتته في الآخرين، لدرجة جعلتني علي وشك الرد علي تعليقه وإفحامه واتهامه بالنفاق لأنه سعي إلي الالتحاق بكلية لمجرد الانتماء لها اسما أو لمجرد كونها من كليات القمة، وبدون الرغبة في الاستفادة الحقيقية منها، وهذا باعترافه هو شخصياً... المهم هممت أنه أكتب ردي هذا، إلا إنني تراجعت في اللحظة الأخيرة، حتى لا أقحم نفسي في مهاترات، وحتى لا أخسر الزملاء، وحتى لا يتهمني أحدهم "بالمعقدة" خاصة إني كنت ممن يحضرون المحاضرات..... عرفت ليه بقي "الفيس بوك" ده خنيق.....
ملحوظة: بعد أحداث ثورة 25 يناير أسجل اعتذاري للسيد" فيس " وشجبي وسحبي للمقال وأرجو عدم وضعي في أي قائمة من أي لون داكن .
